top1-4

حكم وأمثال

ألمرأة الهادئة تفرض الاعتبار

القائمة الرئيسية

المتواجدون حاليا

21 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الشــيخ أحمــد عــارف الزيــن ومجلــة «العرفـــان»

الشــيخ أحمــد عــارف الزيــن ومجلــة «العرفـــان»
كريم مروه - 23/03/2012 - / السفير

يرتبط اسم الشيخ أحمد عارف الزين وسيرته الفكرية والسياسية بمجلة «العرفان» التي أنشأها في عام 1909، في جنوب لبنان. وهي كانت أول مجلة من نوعها تصدر في ذلك التاريخ. إلا أن السيرة الثقافية والسياسية للشيخ الزين تتجاوز هذا الإنجاز الذي حققه، منذ وقت مبكـّر، بإصدار مجلة ثقافية وسياسية شهرية حملت اسم «العرفان»، وظلّت أمينة، على امتداد ثلاثة أرباع القرن، لمهمتها التنويرية والمعرفية والوطنية، والأدبية خصوصاً، في حدود إمكاناتها وإمكانات مُنشئها، وفي حدود الظروف التي مرت على البلاد خلال تلك المرحلة. واستمرت المجلة في الصدور حتى بعد وفاة الشيخ الزين في عام 1960. واهتم بإصدارها بعد وفاته ولداه، نزار أولاً، ثم القاضي زيد في ما بعد.

الشيخ أحمد عارف الزين هو شخصية جنوبية من رعيل مثقفي الجنوب اللبناني (جبل عامل) الأوائل، الذين شكـّلوا في ظل السلطنة العثمانية بدايات حركة نهضة متعددة الوظائف والأهداف، وفي المقدمة منها الدفاع عن الهوية العربية ضد محاولات التتريك، وإبراز الجوانب المضيئة في الثقافة العربية، لغتها وآدابها وعلومها، ومجمل تراثها.

 

ولد أحمد عارف الزين في عام 1884 في بلدة شحور في جنوب لبنان. وفي تلك القرية كانت نشأته الأولى. أدخله والده في أحد الكتاتيب لعدم وجود مدرسة في البلدة. فختم القرآن وهو في السابعة من عمره. وحين انتقلت العائلة إلى مدينة صيدا، عاصمة الجنوب، أدخل الفتى أحمد إلى «المدرسة الرشدية». وعندما بلغ الحادية عشرة من عمره أرسله والده إلى مدينة النبطية ليتابع دراسته الإبتدائية في إحدى مدارسها. ثم انتقل إلى مدرسة أخرى في المدينة ذاتها حيث درس النحو والصرف والمنطق على أساتذتها. وكان يتلقى في الآن ذاته،على يد أساتذة آخرين خارج المدرسة، الدروس في اللغتين التركية والفارسية. كما درس مبادئ الفقه على يد العالم الديني الشيعي المعروف السيد عبد الحسين شرف الدين. وحين عاد إلى صيدا في عام 1904 اهتم بدراسة اللغة الفرنسية على يد أحد الأساتذة إلى أن أتقنها. وهكذا أصبح يمتلك ثلاث لغات. وكان يتابع خلال دراسته، ومنذ وقت مبكر، ما كان يصدر من مجلات عربية، وبالأخص مجلتيّ «المنار» و«المقتطف». وصار يتأثر بما كان ينشر فيهما من مقالات وأبحاث في شتى المجالات، لكتاب عرب وأجانب. وقد هيأته اهتماماته تلك لأن يمارس العمل الصحفي في وقت مبكر. إذ أصبح مراسلاً، منذ عام 1904، لثلاث صحف كانت تصدر في بيروت، هي : «ثمرات الفنون» و«الإتحاد العثماني» و«حديقة الأخبار». وسرعان ما رأى في نفسه القدرة على ممارسة العمل الصحفي في شكل مستقل. فأصدر في عام 1909 مجلة «العرفان» في مدينة صيدا. وكان يطبعها في البداية في بيروت. إلا أنه اشترى في العام الثاني لصدور المجلة مطبعة خاصة أسماها مطبعة العرفان. وصارت المجلة تطبع في صيدا بدلاً من بيروت. ولم يكتف بإصدار مجلة «العرفان» الشهرية، فأصدر جريدة اسبوعية في عام 1911 أسماها «جريدة جبل عامل». لكنها لم تعش سوى عام واحد. وكان إصدار مجلة «العرفان» بداية نشاط الزين السياسي والإجتماعي والأدبي. فأسس في عام 1912 «جمعية نشر العلم» في صيدا بالإشتراك مع بعض وجوه المدينة. كما شارك في تأسيس وفي نشاط عدد من الجمعيات السرية التي كانت تناوئ الأتراك وتدعو لاستقلال البلاد العربية. وكانت مواقفه السياسية تلتقي مع قرارات المؤتمر العربي الأول الذي عقد في عام 1913 في باريس. وهو المؤتمر الذي كان يدعو إلى الدفاع عن الهوية العربية داخل السلطنة العثمانية، والذي تطورت مواقفه في اتجاه الإنفصال عن السلطنة. ومعروف أن تلك المواقف هي التي أدت بعدد من قادة المؤتمر إلى المقصلة على يد جمال باشا السفاح في عام 1915، أي في العام الثاني لاندلاع الحرب العالمية الأولى، وفي الوقت الذي كان شريف مكة الحسين بن علي قد أعلن الثورة العربية داعياً للانفصال عن السلطنة العثمانية. وعندما جاء عبد الكريم الخليل، رئيس المنتدى الأدبي العربي في الأستانة، إلى جبل عامل مرسلاً من قبل «جمعية الثورة العربية» بغية تأسيس فروع للجمعية في المنطقة، تم انتخاب الزين مندوباً للجمعية في نواحي مدينة صيدا. وتحولت داره إلى شبه منتدى للجمعية. وقاده نشاطه ذاك إلى الديوان العرفي. لكن المحاكمة أخلت سبيله فانعزل في مزرعته. وأوقف مجلته عن الصدور مدة ست سنوات. وبعد انتهاء الحرب بهزيمة الدولة العثمانية انضم إلى حركة الأمير فيصل الذي وصل إلى سوريا لينصب ملكاً عليها، تحت شعار الإستقلال ورفض الإنتداب. وهي المحاولة التي أفشلها الفرنسيون وأبعدوا فيصل إلى خارج البلاد. وفي عام 1925 اعتقلت السلطات الفرنسية الشيخ الزين لفترة قصيرة بسبب مواقفه في تأييد الثورة السورية. لكنه عاد وشارك في عام 1928 في المؤتمر السوري الأول الذي عقد في دمشق بدعوة من الزعيم الوطني اللبناني رياض الصلح. وانتخب الزين سكرتيراً ثانياً للمؤتمر. وانتخب الزعيم اللبناني عبد الحميد كرامي رئيساً. وفي عام 1936 انتخب الشيخ الزين رئيساً للجنة مناصرة الشعب الفلسطيني في إضرابه الذي تحول إلى ثورة ضد الإنتداب البريطاني. وفي عام 1937 شارك في المؤتمر العربي القومي الذي عقد في بلودان والذي طالب بإلغاء وعد بلفور. وانتخب عضواً في لجنة الدعاية والنشر. وخلال الحرب العالمية الثانية انعزل الزين لمدة ثلاث سنوات (1942- 1945) وتوقفت المجلة عن الصدور خلال تلك الفترة.

في الفترة التي تأسست فيها حركة السلم العالمية (1949) والتي تأسست في إثرها حركة «أنصار السلم» في لبنان، انضم الشيخ الزين إلى تلك الحركة وصار عضواً نشيطاً من أعضائها. وترأس في عام 1952 وفد هذه الحركة إلى المؤتمر العالمي لأنصار السلم الذي عقد في فيينا. كما شارك في مؤتمرات أخرى في عامي 1953 و1954. وفي السنوات الأخيرة التي سبقت وفاته (1960) ركز اهتمامه بمجلة «العرفان». كما اهتم بإصدار عدد من الكتب الأدبية والتاريخية، ومنها كتاب خاص عن تاريخ صيدا وكتاب خاص عن تاريخ الشيعة.

تلك هي أهم نشاطات الشيخ أحمد عارف الزين السياسية والثقافية. لكن الأهم من كل نشاطاته تلك، على أهميتها، هي التي تتصل بإصدار مجلة «العرفان» وبالدور الكبير الذي لعبته تلك المجلة على امتداد عقود في حياة الجنوب، على وجه الخصوص، فضلاً عن كونها تحولت إلى منبر للعديد من الكتـّاب والأدباء العرب من لبنان وسوريا والعراق ومصر وفلسطين والأردن. وكان من بين الكتـّاب اللبنانيين الذين ساهموا فيها العلامة السيد محسن الأمين والشيخان أحمد رضا وسليمان ظاهر ومحمد جابر آل صفا. والأربعة معروفون بانتاجهم الفقهي والتاريخي والأدبي واللغوي. يضاف إلى هؤلاء كل من أمين الريحاني وبولس سلامة وعيسى اسكندر المعلوف والشيخ عبد الله العلايلي وحسين مروة والأخطل الصغير ورئيف خوري ومارون عبود. وكان من كتـّاب المجلة من سوريا فارس الخوري وبدوي الجبل ومحمد كردعلي وعبد الرحمن الشهبندر. وكان من كتـّابها من العراق أحمد الصافي النجفي وعبد الرزاق الحسني والشيخ محمد رضا الشبيبي ومعروف الرصافي ومحمد مهدي الجواهري ونازك الملائكة. وكان من كتـّابها من الأردن عيسى ابراهيم الناعوري. وكان من كتـّابها من مصر محمد تيمور وحافظ ابراهيم وأحمد شوقي وعباس محمود العقاد وخليل مطران. وكان من كتـّابها من فلسطين: وداد سكاكيني وفدوى طوقان. وشارك في الكتابة من أدباء المهجر: إيليا أبو ماضي وجورج صيدح والياس فرحات والشاعر القروي رشيد سليم الخوري. يقول حسين مروة في مقال مسهب عن سيرة الشيخ الزين الفكرية نشر في «العرفان» أن عدد الكتاب والباحثين الذين ساهموا في الكتابة في المجلة بلغ ألفين وماية وثمانية كاتباً وباحثاً. وكان الشيخ الزين بعقله الواسع حريصاً على جعل المجلة منبراً حراً لكل الآراء والأفكار في الثقافة وفي السياسة. وقد واجهته صعوبات كثيرة، خلال العهود الثلاثة التي صدرت فيها المجلة، العهد العثماني وعهد الانتداب وعهد الاستقلال. لكن الشيخ الزين ظل مثابراً على العمل، متجاوزاً الصعوبات الواحدة تلو الأخرى. وكانت البداية هي الأكثر صعوبة. إذ كان الشيخ الزين يتحمل عبء إصدار المجلة لوحده، يساعده فيها أستاذاه وصديقاه : الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر.

كان يعتبر الشيخ الزين أن للمجلة حين قرر إصدارها وظيفة وطنية وعلمية وأدبية واجتماعية وأخلاقية. وزيّن الصفحة الأولى من العدد الأول بشعارين. الأول لجهة اليمين، وهو الآية القرآنية: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون». والثاني لجهة اليسار، وهو الحديث الشريف: «اطلب العلم من المهد إلى اللحد». وأضاف في عام 1930 شعاراً جديداً إلى الشعارين الآنفي الذكر: «حب الوطن من الإيمان».

يتضح مما تقدم أن اهتمامات الشيخ الزين في المجلة كانت هي ذاتها اهتمام المتنورين، أي المعرفة والعلم كوسيلة للتقدم والارتقاء. وقد ظلت هذه الاهتمامات تزداد وضوحاً من عام إلى عام في افتتاحيات الشيخ الزين، التي كان يحدد فيها وظائف المجلة، كمنبر حر لجميع الآراء، من دون تمييز. وكان يعتبر، منذ السنوات الأولى لصدور المجلة، أنها تحرص على أن تكون صلة الوصل بين علماء وأدباء العراق وجبل عامل، نظراً للعلاقة التاريخية بين أهل هذه المنطقة في لبنان والعراق ومدرستها الفقهية في النجف، وكذلك مع سائر أدباء وعلماء الأقطار العربية. كما أنها تحرص على ترجمة علوم الغربيين، ونشر تراجم للمشاهير من العلماء من الشرق والغرب.

ثم يتقدم الشيخ مع مرور الزمن ومع تطور الأحداث في البلدان العربية، فيؤكد بافتتاحية له في المجلد التاسع (1923) بأن للمجلة خطة لا تحيد عنها وهي خدمة القضية العربية والوحدة السورية، مع احترامها لآراء مخالفيها. ثم يقول في أحد افتتاحيات عام 1939 بأن في أساس خطة المجلة «توحيد الأديان اجتماعياً، كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، وتوحيد الجزيرة العربية وجميع الناطقين بالضاد، ونبذ التعصب الديني، ونشر التسامح إلى أبعد مدى، ومحاربة المفرقين بين مسلمين ومسيحيين، لا سيما المقلنسين والمعممين».

يقسم الشيخ الزين أبواب المجلة إلى أربعة أبواب: القسم العلمي، القسم الأدبي، القسم الأخلاقي، القسم الإجتماعي. يلي هذه الأبواب باب «السياسة في شهر» الذي كان يضم ملخصاً لأهم الأحداث. إلا أن هذه الأبواب سرعان ما تطورت وتنوعت إلى أبواب أخرى، بحيث لم يبق موضوع من المواضيع التي تهم القارئ إلا وخصص له باباً. وكلما كان يتقدم العمر بالمجلة كانت تزداد تنويعاً في مواضيعها الكبرى. ويمكن تلخيص هذه المواضيع على النحو التالي:

أ - في الفكر الإسلامي والعلوم الحديثة. وهو ينقسم إلى نوعين. يهتم النوع الأول بإعادة إحياء التراث الإسلامي من خلال استحضار أبرز المؤلفات الفقهية والتيارات التي انبثقت عنها. ويهتم النوع الثاني بالتعريف الدائم بأحدث المبتكرات العلمية مع التشديد الدائم على الدور المهم للإسلام وللعرب في عصور الإزدهار، وبالتالي على قدرة الإسلام على استيعاب التطورات العلمية الحديثة التي انتقل مركزها إلى الغرب.

ب - في مجال التاريخ. عالجت المجلة مواضيع تاريخية كبيرة بعرضها التاريخ الإسلامي بشكل عام، وعلى الأخص تاريخ شيعة جبل عامل، تلك الفئة التي أولتها المجلة عناية خاصة، لا تعصباً أو بقصد التفرقة، بل عملاً على إظهار حقيقة ذلك التاريخ والدفاع عنه ضد من شوّه صورته. ويقول الشيخ الزين بأن التاريخ بالنسبة للمجلة وكتـّابها لم يكن مجرد قراءة عادية، ولم يكن هدفه المفاخرة بالأمجاد الغابرة. بل كان الهدف من هذه القراءة القيام بمقارنات بين الوضع الحالي السيء وبين ما شهده عصر الإسلام الأول من حضارة وازدهار.

ج - في مجال الأدب. في هذا المجال أفردت المجلة صفحاتها الأكثر غنى وثراءً. فقد تحولت المجلة إلى منبر للعدد الأكبر من أدباء وكتـّاب وشعراء الجنوب، وكذلك إلى منبر التقى فيه الكتـّاب والأدباء والشعراء من مختلف الأقطار العربية. إلا أن المجلة اهتمت اهتماماً خاصاً بأدباء جبل عامل. وساهمت هي، وساهم الشيخ الزين بتأسيس عصبة الأدب العاملي في لبنان والعراق في عام 1935. وخلاصة ما ذهب إليه بيان التأسيس من أهداف هي :

ـ الفن للفن.

ـ صقل الأدب العاملي وإظهاره بالمظهر الذي يقربه من المثل العليا في الأدب الحي الهادف في شعوره وفنه.

ـ الاشتراك في التعاون الصحيح لإنصاف المواهب الفنية وتوجيه جهودها في البحث والقراءة والتعلم والكتابة إلى ما يشكل لها النمو والتفوق.

ـ التآلف بين الأدباء في داخل البلاد العاملية.

ـ تشجيع النقد النزيه وتوسيع دائرته.

د ـ في المجال الإجتماعي والسياسي. أولت المجلة اهتماماً خاصاً لأوضاع منطقة جبل عامل البائسة، موجهة النقد للإقطاعيين الذين كانوا يضطهدون الفلاحين ويهضمونهم حقوقهم. كما وجهت النقد للدولة في سياستها الضرائبية. إلا أن ما هو أهم في هذا المجال هو اهتمام المجلة بقضية المرأة ، واعتبار أن الأهم في هذه القضية هو الإفساح في المجال أمام المرأة لكي تتعلم وتتقدم، وتنال حقوقها الأساسية. ولم يشأ الشيخ الزين الإنخراط في المعركة التي كانت تدور في مطالع القرن حول الحجاب والسفور، معتبراً أن المهم هو تحرير المرأة وتأمين العلم لها.

واهتمت المجلة بسير الشخصيات النسائية وبالأدوار التي لعبتها تلك الشخصيات في المجالات كافة، لا سيما في مجال الدفاع عن حقوق المرأة. كما اهتمت المجلة في هذا الباب بمحاربة الطائفية.

هـ ـ في مجال حرية التعبير. اعتبرت المجلة أن مبدأ حرية الرأي والتعبير هو مبدأ أساسي. فكانت تنشر المقالات التي تخالف رأي صاحب المجلة وكانت تشجع على ممارسة النقد.

تلك هي السمات التي تميزت بها مجلة «العرفان»، بدور أساسي لمنشئها الشيخ أحمد عارف الزين. وهي السمات التي جعلت منها، ومن منشئها، منارة في حياة جنوب لبنان على امتداد عقود. ولذلك قلت في بداية هذا المقال بأن اسم الشيخ أحمد عارف الزين، صاحب التاريخ الحافل بالنضال السياسي والإجتماعي والأدبي، لا يذكر إلا مقترناً بمجلة «العرفان».

ورغم أنني عرفت الشيخ الزين منذ أربعينات القرن الماضي، بحكم علاقة الصداقة التي كانت تربطه بوالدي الشيخ أحمد مروة، وبإبن عم والدي المفكر التراثي حسين مروة، ثم بحكم ارتباطه في الخمسينات بحركة السلم اللبنانية التي كنت عضواً فيها، فإنني وجدت نفسي، حين أقدمت على كتابة هذا البحث عن هذه الشخصية اللبنانية الجنوبية الفذة، أن عليَّ أن أستعين بأطروحة السيدة رغدة نحاس الزين المخصصة لكتابة سيرة ونشاط الشيخ أحمد عارف الزين، لكي يكون البحث أكثر شمولاً، وأكثر دقة، وأكثر استكمالاً للإحاطة بهذه الشخصية من جوانبها المختلفة.

لكن معرفتي بالشيخ الزين التي أشرت إليها لم تكن عابرة. وكانت بداية علاقتي به عن طريق «العرفان». وكان ذلك في عام 1948 حين أرسلت للمجلة من بغداد مقالين نشرا في عددين متتاليين. عنوان المقال الأول «رسالة إلى يهودي»، وعنوان المقال الثاني «رسالة إلى عربي». وكان موضوع المقالين يعبر عن القلق الذي كان يساورني في ذلك الحين من أمرين: هزيمة العرب في حرب عام 1948 التي صارت تعرف بالنكبة، وإنشاء دولة إسرائيل على أرض فلسطين من دون دولة فلسطينية تقابلها. وما زلت أحتفظ بنص هذين المقالين في أرشيفي. لكن العلاقة الحقيقية بالشيخ الزين، التي قادني إليها في البداية والدي الشيخ أحمد وابن عمه حسين مروة، كانت عندما بدأت أذهب إليه بصفتي الحزبية، بعد أن أصبحت أحد الكوادر الاساسية في الحزب الشيوعي اللبناني. إذ كنت أزوره في صيدا حاملاً له معي رسائل سياسية من الحزب عبر حركة أنصار السلم التي كان يرأسها المهندس أنطون تابت، العضو القيادي في الحزب، والتي كان أحد مؤسسيها الشيخ الزين ذاته. وأذكر جيداً، في هذا المجال كيف كان الشيخ الزين شجاعاً في ارتباطه بتلك الحركة، وفي مشاركته الفعالة في نشاطها، وفي مشاركته في مؤتمر حركة السلم العالمية الذي عقد في فيينا في عام 1952، ثم في مؤتمر شعوب الشرق الأوسط الذي عقد في بيروت في عام 1953.

ومن طرائف ما قرأت له في مجلة «العرفان» المقال الذي يتحدث فيه عن مؤتمر فيينا الآنف الذكر، ثم الزيارة التي قام بها بعد انتهاء أعمال المؤتمر إلى بودابست. وهي المدينة التي أقمت فيها أربع سنوات هي من أجمل سنوات حياتي. يشير المقال إلى قصة المعلومات التي وردت فيه عن تاريخ المجر القديم والحديث، ودقة الوصف لمدينة بودابست، ولنهر الدانوب الذي يقسمها إلى قسمين، ودقة الحديث عن أهلها رجالاً ونساء، وعن المتعة التي أدخلتها في قلبه ومشاعره الحفلات الموسيقية وحفلات الرقص الشرقي التي رأى في بعضها ما يشبه الدبكة اللبنانية.

مختارات