حكم وأمثال

ضمنت لمن اقتصد ان لا يفتقر. الإمام الصادق (ع)

القائمة الرئيسية

المتواجدون حاليا

54 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

نموذج تسجيل الدخول

قراءة في الأسباب التي أدّت إلى الهجرة العاملية إلى إيران.

أعد هذه الدراسة الدكتور محمد أمين كوراني :

اختلف الأتراك العثمانيون كثيراً عن أسلافهم المماليك ، فهم قد حملوا لوناً مذهبيًّا حادًّا جدّا ، حتى المذاهب التي لم تتوافق مع السّلطة نالت نصيبها من هذه الحدّة ، وحملوا موقفاً عدائياًّ خاصاًّ من التّشيّع الإثني عشري،وذلك من خلال تجربتهم القريبة مع الصّفويين.  

وإن لم يكن لدينا تفاصيل عن ظروف نشأة المراكز العلميّة الكبرى في جزّين وكرك نوح ومشغرة وجباع وغيرها ، لكننا نعرف انّ الشيخ زين الدّين بن علي الجبعي ، شيخ مدرسة جباع "كان في غالب الزّمان في الخوف الموجب لإتلاف النّفس والتّستّر والإخفاء".(1) لكنّ هذا الإخفاء والتّستر لم ينجياه من القتل على يد العثمانيين ، ويبدو أنّ حالة القتل المروّعة التي تعرّض لها شيخنا قد أثارت حالة من الذّعر الحقيقيّة لدى علماء وطلبة ا لمدارس الآنفة الذّكر. وهذا ما يؤكّده علي بن أحمد بن أبي جامع بأنّه"أوّل من خرج من بلاد عاملة من آل أبي جامع،بعد شهادة الشهيد الثّاني خوفاً من الفتن".(2)  

لكن لون الهجرة العامليّة - موضوع بحثنا-  لم تكن هجرة إنتقائيّة ، ولا في سبيل الرّزق والمعاش. بل كانت هجرة من لون آخرلها نكهتها المميّزة ، فحين يترك المرء وطنه هرباً من اضطهاد لحق به، أو في طلب الحريّة والأمن ، ولديه طاقة من الثّقافة والمعرفة ، فإنّه سيترك حتماً، أثراً كبيراً مما يحمله من هذه الثّقافة والمعرفة،وستكون النّتائج عادة كبيرة ومتنوعة. 

إنّ اعتناق العامليين لمذهب الإماميّة كان- وبدون أيّ شك-  من المؤثّرات على علاقتهم بالدّولة العثمانيّة ومعاملتها لهم . وقد خضعت هذه المعاملة لعوامل عديدة منها: 

العداء بين مستغِلِّي المذاهب والفتن المتّصلة بهذا العداء . 

 الوحدة المذهبيّة التي تجمع بين الصّفويين أعداء الدّولة العثمانية وبين الشّيعة الإماميّة الخاضعيـن لسلطة الدّولة العثمانية، لاسيما في جبل عامل .   

الصّراع الصّفوي – العثماني وتأثير ذلك على علاقة الإماميين بالدولة العثمانيّة .لذا كان العثمانيون يعاملون الشيعة معاملة قاسية عندما تكون السّلطنة في حالة حرب مع الصفويين ، وتخف عندما يتوصّل الطّرفان إلى صلح أوأن تشتدّ إذا ماتجدّدت المعارك بينهما . وفي الفترات التي كان الصّلح قائماً بين الطّرفين كان الشيعة ينعمون بشيء من الحريّة . 

هذه الحريّة المحدودة أنتجت نجاحاً علميّاً وثقافيّاً زخرت به بلاد عاملة وامتدت إلى البقاع اللبناني ، حتى وصل تأثيره إلى الهند وإيران والبحرين والعراق، وأضاءت المنجزات الثقافية بأنوارها ظلمات هاتيك البلاد. 

وقد أكد الشيخ الحر العاملي في مقدّمة كتاب أمل الآمل ،أسباب تقديم علماء جبل عامل على باقي العلماء المتأخرين .فقال في السّبب السّادس من كتابه " كثرة من خرج من جبل عامل من العلماء والفضلاء وأرباب  

           -1- 

الكمال ...ولا يكاد يوجد أهل بلاد أخرى من علماء الإماميّة أكثر منهم ، ولا أحسن تأليفاً وتصنيفاً....وذكر أنّه  

ما من قرية هناك إلاّ وقد خرج منها جماعة من علماء الإماميّة وفقهائهم(3) ". ويضاف إلى هذا وذاك عدم ارتباط الحوزات العلميّة الشّيعيّة بالسّلطة الحاكمة ،واعتمادها على قدرات علمائها ، وهبات المقلِّدين. كل ذلك كان من أهمّ عوامل قيام النّهضة العلميّة في جبل عامل والتي امتدّت مع العلماء العامليين إلى خارج بلادهم. 

وكان من خصوصيّة هجرة هؤلاء العلماء التوجّه إلى المراكز العلميّة بعيداً عن موطنهم بقصد الدّراسة والتّفقّه عند أهل الشّيعة وأهل السّنة ، تا ركين بلاد الآباء والأجداد والوصول إلى درجات الإستشهاد ، "وينجلي ذلك في حياة الكركي والشّهيد الثاني ،فقد رحل الكركي إلى الشّام ، ومنها إلى مصر،وأخذ عن علماء البلدين، ثم توجّه إلى العراق وورد النّجف ثم رحل إلى بلاد إيران ..وكرَّت السُّبحة ليلحق به، علماء "الرِّحلة العلميّة" إلى الحواضر الفكريّة ومراكز الإشعاع الفكري المنتشرة في العراق وإيران والهند وحيدر أباد ومصر"(4) ، يالإضافة إلى بلاد الشّام . وكان علماء جبل عامل مجاهدين أقوياء في سبيل الدّين الإسلامي ، فكان السّيد علي أخو صاحب المدارك هو المدرّس الأعظم في مكّة المكرّمة، وكان والد الشّيخ البهائي حسين عبد الصّمد العاملي ، هو الوحيد في البحرين، وكان المحقّق الثّاني ، هو القائم وحده على السّلطة في دولة إيران وتوابعها ،والسيد حسين العاملي إبن صاحب المدارك تولّى مشيخة الإسلام والتّدريس العام في خراسان، وتولاّها من بعده الحرّ العاملي،ثمّ تولاّها عدد آخرمن العامليين بعدهم ومن قبلهم.(5)  

خلاصة تلك الفترة أنّ ذلك العصر كان عصراً بلغ فيه التّعصّب المذهبي مداه ،وانتفى فيه التّحاور والتّعارف ، نتيجة سياسة الدّولة العثمانيّة القائمة على التّعصّب، سواءً على مستوى العامّة،أم على مستوى الفقهاء إلّا قلّة نادرة كالشّيخ زين الدّين الجبعي ، وكانت المبادرة دائماً من فقهاء الإماميّة ،اتّجاه المراكز والفقهاء السّنّة ولعلّ مالقيَه الشّهيد من حفاوة وتكريم في"إسلامبول"نتيجة نهجه العلمي المنفتح ،الّذي أدّى إلى سماح السّلطة له بأن يفتح "المدرسة النّوريّة" في بعلبك ، التي كانت تدرّس الفقه على المذاهب الخمسة.             

إنّ سعي الشّيخ زين الدّين إلى تحقيق وحدة المسلمين لم يرق للدّولة العثمانية ،التي انزلقت إلى حدِّ إعدامه ، إعداماً مفجعاً، وبموته انتهى ذلك النّهج الحميد والسنًّة الحسنة اللتان سنًّهما ونهجهما الشّهيد الثّاني.  

.. وكان من الآثار المباشرة للجريمة انبعاث الهجرة الكبرى لفقهاء جبل عامل نحو إيران. بعد أن رأوا في مقتل شيخهم نذيراً موجّهاً إليهم جميعا. فانطلقوا هاربين لايلوون على شيئ. وكانت تلك الهجرة خيراًوبركة على منزلها.اذ أنّ أولئك المهاجرين الفقهاء انتشروا في أنحاء إيران،ووضعوا في خدمتها ثمرات النّهضة الفكريّة الّتي أنبتتهم. فساهموا مساهمة جُلًّى ، لاغنى عنها ولا بديل لها ، في بناء الرّابط  الرّوحي، الّذي كان ذلك البلد العريق في أمسّ الحاجة إليه، ومنحوه الوحدة العميقة التي يطمح إلى مثلها أيّ كيان سياسي . وبذلك جعلوه أوثق بنيياناً، وبالتّالي أقدرعلى مقارعة مناجزيه، ومنهم العثمانيون. 

ومن الجهة الأخرى ، فإنّ الهجرة الكثيفة قد أدّت إلى فراغ وطن المهاجرين " جبل عامل من الفقهاء بحيث أنّ ابن الشّهيد الثّاني الذي كان عمره يزيد قليلاً عن الأربع سنوات، عند شهادة والده، اضطرّ للسّفر إلى النّجف   

-2- 

الأشرف هو وابن  أخته  للدّراسة  فيها ، واشترطا على شيخهما أن يقرآ عليه على  نهج  خاص بحيث 

  يقضيا أربهما في أقصر وقت ليعودا إلى وطنهما ، الّذي لم يعد فيه من الفقهاء مايقوم بحاجات أهله . وهكذا كان.(6)  وإذا ماعدنا إلى أسباب ونتائج هذه الهجرة التي توسّعت أكثر مايكون في العهد الصّفوي في بلاد إيران لايمكننا إلّا أن نلخّصها في أبوابها التّالية: 

الأرضيّة التّاريخيّة: وهي الأحداث التي وضعتها كلّ من الدولة الصّفوية التي أعلنت التّشيّع الإمامي مذهباً وحيداً للدّولة الجديدة ،ووضعِها في الإطار الرّوحي المناسب. والدّولة العثمانية التي بسطت سلطانها على آسيا الصّغرى ثمّ على بلاد الشّام ومصر ودعت إلى توحيد العالم الإسلامي على أساس مبدأ الخلافة العريق ولم ينازعهم هذا الحق إلّا دولة الصّفويّين الشّيعيّة الّتي حملت بالمقابل مبدأ الإمامة الشّيعي .  

بالنّسبة للشّيعة في سوريا ، فقد أدخل وقوع المنطقة تحت الحكم العثماني، تغيّراً أساسيّاً إلى المناخ الحر الّذي تمتّعوا به طويلاً،خاصّة وأنّ العثمانيين قد حملوا معهم مشاعر عنيفة ضدّ التّشيّع . وهذا هو المناخ الّذي هيّأ للهجرة أسبابها. 

النّهضة العلميّة الشّيعيّة في جبل عامل والبقاع: إنّ الأحداث التي صنعت المهاجرين إتِّجاهات وأفكاراً، كانت هي الأسباب المباشرة للهجرة..فمن الثّابت أنّ جبال لبنان كانت قد عمُرت بهجرات سكانيّة شيعيّة نتيجة الإضطهاد والملاحقة في مختلف العهود السّابقة، فنجت بنفسها إلى هذه المعاقل العصيّة الحصينة . وظلت تتمتع باستقلال ذاتي بعيداًعن تأثير الدّول والحكّام ، وهذا ماأفسح بالمجال للإستقرار والإقبال على العلم وفتح المدارس والعيش مستقلّين ماديّاً وثقافيّاً معاً.هذه الحركة العلميّة هي الّتي أنجبت "محمد بن مكّي الجزّيني" الشّهيد الأوّل. الّذي حوّلها إلى نهضة علميّة حقيقيّة ، لعلّها أكبرتحوّل في تاريخ الشّيعة في لبنان. 

التّشيّع في إيران قبل الصّفويّين: إنّه مسرح الهجرة قبل دخول المهاجرين، بقدر مايتّصل تاريخ هذا البلد بالوضعيّات الّتي واجهها المهاجرون.  

كان التّشيّع في المجتمع الفارسيّ قبل الصّفويّين متغلغلاً كلاميًّا وصوفيًّا وكانت الحركات الفلّاحيّة الثّوريّة الّتي ثارت قبل الصّفويّين مصبوغة بالتشيّع بشكل أو بآخر وانتهت هذه الحركات بإعلان الشّاه اسماعيل الصّفويّ التّشيّع في إيران، وأظنّ بل أؤكّد أنّ انتشار التّشيّع كان ثمرة طال نضجها وأصبحت مهيّأة للقطاف، وجاء الصّفويّون ودفعوها إلى نهايتها المحتومة.  

وإذا ما تتبّعنا انتشار التّشيّع في إيران، بدا لنا، - ولو جزئيًّا- " أنّ فقهاء سنّة ركبوا موجة التّيّار الجديد ، وقاموا بنشر التّعليم الشّيعيّ. وهذا كلّه يشي بندرة مصادر وفقهاء الشّيعة، بالنّسبة لحجم الدّولة الجديدة ومشروعها، وبالصّعوبات الّتي كانت تعترض نشر وإقامة التّشيّع على أساس متين"(7) . هذا التّنظيم المرتجل لنشر التّعليم الشّيعي لم نشهد له أثرًا كبيرًا في المجتمع. لكنّ الأثر البارز في ذلك العهد كان للشّيخ علي عبد العالي الكركي العامليّ، الّذي يُعدّ صاحب الدّور الهامّ جدًّا في نشر التّعليم الشّعيّ في الرّقعة الإيرانيّة. إلّا أنّ الوحدة السّياسيّة لم تصبح حقيقة قائمة إلّا إذا رافقتها الوحدة الرّوحيّة الحقيقيّة العميقة. 

وهكذا، توقّف كلّ شيء حتّى المدد من الخارج، وهنا بدأت تباشير هجرة علماء من جبل عامل والبقاع، ثمّ                                                                                            

                                                                                                                                               - 3- 

انصبّوا على البلاد، وانتشروا في أرجائها واضعين في خدمة نهضتها ووحدتها معرفة غنيّة، هي ثمرة ازدهار علميّ عجيب، عاش معزولاً عشرات السّنين(8).  

باب الإجتهاد المتوارث: فقهاء جبل عامل، ورثوا عن أساتذتهم تقليدًا يقول أنهم حراس الشريعة ونواب الامام  

المعصوم، اضافة الى واجبات العلماء الاخرى... و"الشهيد الاول" كان يجيز للفقيه التعاون مع السلطان إذا ما طلبه الاخير لإدارة الشؤون الشرعية والقضاء الا في حالات إصدار حكمٍ بالقتل"(9) .أما ا لمحقق الكركي، احد ابرز علماء جبل عامل المهاجرين الى ايران، فقد تمتع بنفوذ وصلاحيات منقطعة النظير في عهد الملك طهماسب فكان "خاتم المجتهدين" الذي لم يكن يضاهيه احد من العامليين او الايرانيين في قوته وسعة نفوذه.  

 

الهجرة والمهاجرون: كان المهاجرون طرازًا نادرًا من الرّجال. حيث قاموا بتنظيم الدّولة والشّعب معًا. ولعلّ رائدها الأوّل علي عبد العالي الكركي قد قام بما تعجز عنه جماعة كبيرة حسنة التّنظيم. وقد دخل إيران وحيدًا غريبًا، لكنّه أصبح واحدًا من أكثر الرّجال تأثيرًا في التّارخ الحديث لهذا البلد حيث قاد وحده عمليّة تعليم شاملة انتظمت كلّ الشّعب الإيرانيّ، من سياسيّة ومثقّفيّة، إلى سكّان القرى والدّساكر، كان من نتيجتها أن أصبحت الثّقافة الشّيعيّة جزءًا من ثقافة الشّعوب الإيرانيّة. كما أنّه كممثّل للنّهضة العامليّة وأفكارها نقل إلى مهجره مشروعًا وفكرًا سياسيًّا، هي أفكار الشّهيد الأوّل ومشروعه من قبل. أهمّها " ولاية الفقيه" الّتي أصبحت الخلفيّة الفكريّة لشرعيّة الحكم الصّفويّ، ولكنّها أيضًا منحت الكركي مركزًا قويًّا في الحكم، أفاد منه بكلّ شكل، في سبيل الأمانة الّتي حملها(10). تلاه من حيث الأهميّة، كمال الدّين درويش محمّد ابن الحسن الّذي ثبُت أنّه كان من تلاميذ الشّيخ الكركيّ،ويوصف أنّه أوّل من نشرأحاديث الشّيعة في عهد الصّفويّة (11)إنّ هذا تلميذ الشّيخ الكركي الزّاهد العابد قد انصرف إلى التّدريس وتخريج الفقهاء في جبل عامل قبل أن يُقتل الشّهيد الثّاني، والاتّجاه نفسه تبعه الشّيخ درويش في بلاد إيران(12). ومنهم الشّيخ علي بن هلال الكركيّ، وهو تلميذ الشّيخ علي عبد العالي وبلديّه، وقد استدعاه الشّاه طهماسب الصّفويّ من مقام إقامته في الهند لأنّ الأخير ظلّ مصرًا بعد وفاة الكركيّ، على أن لا يملأ منصب شيخ الإسلام، إلّا "مجتهد جبل عامل" فقد وجد الشّاه في بلديّ الكركيّ وتلميذه نعم البديل.. حيث عيّنه شيخ الإسلام وظلّ في منصبه حتّى وفاته 993 هـ/ 1585م (13) ليخلفه الشّيخ محمّد ابن الحسين بن عبد الصّمد العامليّ والد الشّيخ البهائيّ وهو ابن العائلة الّتي أسّست الحياة العلميّة في قرية جباع العامليّة. وكان ابن عبد الصّمد بسبب علاقته بالشّهيد الثّاني أوّل من شدّ الرّحال ومضى إلى أصفهان. ثمّ عيّنه الشّاه طهماسب شيخ الإسلام في قزوين ومشهد وهراة. وفي السّنة 983هـ/ 1575م ترك إيران متوجّهًا إلى الحجّ، وبعد إتمام المناسك يمّم وجهه شطر البحرين وأقام فيها حتّى وفاته(14). وبرحيل الشّيخ ابن عبد الصّمد في العام التّالي في البحرين أُسدِل السّتار على أوّل وآخر محاولة لإحياء طريقة الكركيّ في العمل، وانتهى دور الرّوّاد وجاء دور الجنود وكان أبرزهم الشّيخ بهاء الدّين العامليّ محمّد بن الشّيخ حسن عبد الصّمد والّذي كان عمره يوم هاجر أبوه إلى إيران ثلاث عشرة سنة. وفي مقرّ أبيه في قزوين حيث كانت الحياة العلميّة عامرة مزدهرة تضجّ بالحياة والحركة، في الطّبّ والرّياضيّات والفلك والهندسة ،وهذا ما أتاح له التّأسيس لتلك الثّقافة الواسعة ثمّ جاء عاصمة الصّفويّين أصفهان ليصير شيخًا للإسلام فيها.  

                                                                                                                        -4- 

عاشر الشّيخ بهاء الدّين الطّبقات كلّها، من فقراء وأغنياء، وعلماء، ورجال بلاط، وكلّ الفرق والاتّجاهات، من دون أن يسمح لأيّ منها أن يحتويه. وقد وُصِف الشّيخ بهاء الدّين بأنّه " من أعظم أصحاب الذّوق والوجد "والفاضل صاحب الحال" والحقّ أنّ آثاره تطفح بأشواق روحيّة مشوبة، وتأثّر عرفانيّ لا ريب فيهما (15). لقد أصاب بهاء الدجّين شهرة كبيرة في حياته تجاوزت إيران سبقته إلى مصر والشّام وهذا يعود إلى الحقول  

المعرفيّة الواسعة الّتي شارك فيها وإلى شخصيّته الإيجابيّة السّمحة  المعتدلة، في  ذلك العصر. أضف إلى  ذلك ، الوجه الأسطوريّ في شخصيّته. فها  نحن نقرأ هنا  أنّه وضع رصدًا على حدود إيران يحميها من الوباء وآخر خاصًّا بأصفهان للغرض نفسه، كما يُنسب إليه كتاب في العلوم الغريبة اسمه " أسرار قاسمي". وكذلك هندسة سور الصّحن المحيط بمشهد أمير المؤمنين(ع) في النّجف، وأنّ في هندسته سرًّا... بحيث يقابل الكواكب المربيّة للعلوم، أضف إلى ذلك العجائب الهندسيّة الكثيرة. مثل المئذ نتين المبنيّتين بالحجر، واللّتان تهتزّان إذا هزّهما الإنسان، والشّمعة الصّغيرة الّتي لا تنطفئ والّتي تبعث حرارة هائلة تزوّد أصفهان بالمياه السّاخنة، وأنّه اهتدى إلى تحطيم الذّرّة واستخدمها في كثير من الاختراعات، أضف إلى ذلك بدائع هندسيّة أخرى - شاهدتها بنفسي-. كما تُنسب إليه كتب في العلوم السّريّة، وأخرى في الفأل وقصيدة في تأويل الأحلام (16). وحتّى اليوم فإنّ بهاء الدّين لايزال الشّخصيّة الشّعبيّة الأولى في إيران، وحبّ النّاس له كإنسان وكمفكّر، ولا ننسى أنّه خلال الفترة الممتدّة بين الكركي وبهاء الدّين، أي خلال مايقرب السّتين عامًا، وكانت إيران تفتقرإلى الإنسان- الرّمز المتوهّج، الّذي وهب الرّحى الجماهريّة أي القطب الّذي تدور حوله، وهي تجتاز أطول طريق يمكن أن يجتازه شعب. ومن الّذين أتوا من بعد الشّيخ البهائيّ الشّيخ محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ وهو ابن مشغرة وقد ولد فيها وعاش في جبل عامل أربعين عامًا، "ويبدو أنّه سافر من عاملة سائحًا على أمل الإياب، ولكنّ لمّا وطأت قدمه حوالي العام  1664م أرض إيران واستطاب المكوث فيها ثمّ الاستيطان نهائيًّا"(17). وفي إيران تعرّف إلى العلّامة المجلسي الّذي أمر بدار للعامليّ قرب داره .. "وتوطّدت عرى الصّداقة بين الرّجلين، وتوطّن في المشهد الرّضويّ وأُعطي مشيخة الإسلام ومنصب القضاء وصار من أعاظم علماء خرسان إلى أن توفّي فيها عام 1693م ودفن في المشهد الرّضويّ الشّريف"(18). 

وفي خلاصة البحث نرى أنّ الحالة العامّة الّتي كان يعيشها الشّيعة في تلك الفترة في لبنان والضّغوط الّتي كانوا يواجهونها، أدّت إلى مقتل اثنين من أبرز علمائهم خلال فترة ليست بالطّويلة، عُرفوا فيما بعد بالشّهيدين الأوّل والثّاني، مع الإشارة إلى أنّ الشّهيد الثّاني كان زميلاً أو أستاذًا لعدد من المهاجرين الأوائل(19).  وحول عدد المهاجرين وسعة الهجرة اللّبنانيّة إلى إيران بلغت اتّساعها وتنظيمها في العهد الصّفويّ، " فمع اقتراب نهاية العصر الصّفويّ نتعرّف على ما يقرب من خمسة وتسعين من علماء جبل عامل من أربعة أجيال من المهاجرين"(20).  

وفي ختام بحثنا الّذي تجوّلنا فيه مع الهجرة والمهاجرين، لابدّ لنا من إلتفاتة إلى الوراءحيث أنّه أبرزْ معالم العصر الصّفوي وأنّه فتح أبواب بلاد إيران للمهاجرين من جبل عامل والبقاع أبناء المراكز العلميّة فيها ، وبذلك جدّد معالم وسمات إيران الحديثة في وقت لم يكن لسكّان إيران رابط روحيّ يجمعهم حوله. وجاء المهاجرون فأعطوا الكيان السّياسي الجديد ذلك الرّباط الروحي المفقود. 

                                                                                      -5- 

وظلّ التّشيع في إيران محاولة فجّة مشكوكة النّتائج ، حتّى تسلّم قيادتها الرّائد الكركي ، ثمّ من بعده عشرات المهاجرين ، الذين مارسوا جميعاً عمليّة تشكيل صلبة وعميقة ، شملت كلّ الشّعب الإيراني وانتهت إلى نشر التّشيّع الإما ميّ فيه، بشكل شامل تقريباً. 

وفي إطار عملية التّعليم الشّاملة الّتي قادها وأشرف عليها المهاجرون من العلماء العامليّين،نهضت حركة ترجمة هائلة ، انتهت إلى نقل كامل المكتبة الشّيعيّة  تقريباً إلى اللّغة الفارسيّة ، وسارت في موازاتها  حركة  

تأليف ، أغنت المكتبة الفارسيّة بعشرات وعشرات المصنّفات بينها عددٌ من أشهر كتبها.يضاف إلى  ذلك  أنّ       ولاية الفقيه "التي ولدت بشكلها المعروف اليوم على أرض جبل عامل والتي حملها المهاجرون معهم ، أصبحت ، ولو شكلاّ ، الشّرعيّة التي يمارس البيت الصّفوي الحكم استنادا إليها. واستتبعت قيام نفوذ كبير . لمجتهدي الفقراء. 

ويجدر بنا في النّهاية أن نُشير إلى هجرة مماثلة خرجت من نفس المصدر في الفترة نفسها ، ولكنّها اتّجهت نحو "الهند" أ دّت نوعيّا دوراً مماثلا، وأن يكن أقلّ حجماً. 

 ومنذ أن كانت ولاية الفقيه مشروعاً جنينيّا في النّصوص الصادرة عن أئمة أهل البيت(ع)حتّى صارت جمهوريّة إسلاميّة . وتلك واحدة من أعظم عمارات العقل بكلّ عناصره : الإرشادي والعقلي. 

                                                                    

                                                                                        د.محمـد أمين كوْراني   

                                                  الهوامش:  

1- محمد باقر الخوانساري- روضات الجنّات- ط،إيران 1947م- ص290. 

2- آغا بزرك الطّهراني- الذريعة إلى تصانيف الشّيعة- ط، النجف وطهران- م14- ص21-22. 

3- الحر العاملي- أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل- ط،بغداد1965-ص15. 

4- محمد كاظم مكّى- الحركة الفكريّة في جبل عامل- ط،بيروت1963- ص25. 

5- محمد تقي الفقيه- جبل عامل في التاريخ- ط2- بيروت- دار الأضواء-1986- ص10. 

6- علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين الجبعي- الدر المنثورمن المأثور وغير المأثور- ج2-ط،إيران- ص201. 

7- جعفر المهاجر- الهجرة العاملية إلى إيران- دار الرّوضة- بيروت1989- ص114- 115. 

8-  الهجرة العامليّة......- مصدرسابق- ص116 . 

9-  مهدي فرهاني منفرد -هجرة علماء الشيعة في جبل عامل الى ايران- منشورات "امير كبير"  - إيران(ص104). 

                                                                       -6-                                                                                                                                                                         

10-الهجرة العامليّة......- مصدر سّابق- ص 221 .   

11- عباس القمّي- الفوائد الرّضويّة في أحوال علماء المذهب الجعفريّة- ط،إيران1385هـ - ص177. 

12- المصدر السابق- ص 177 . 

13- المصدر السابق- ص 142- 143 . 

14- أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل.....- مصدرسابق- ج1- ص97. 

15-الهجرة العامليّة........- مصدر سابق-  ص160  . 

16- المصدر السّابق- ص169 

17- العرفان- م50- ج (6- 7) – ص700. 

18- عباس القمّي- الكنى والألقاب –ج2- ط،النجف1956- ص178. 

19- رولاجردي- علماء جبل عامل في الدّولة الصّفويّة- ترجمة مصطفى فضائلي- مجلة حكومة إسلامي- العدد7ربيع1377هـ/ش. 

20- المصدر السابق- نقلاًعن آغا بزرك الطّهراني- طبقات أعلام الشيعة- ص71-72. 

                                           ******************************************* 

 

 

                                                                       

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                        

IMG_1427.JPG
IMG_0157.JPG
IMG_4074.JPG