top1-3

حكم وأمثال

لا تثق بالصديق قبل الخبرة , ولا توقع بالعدو قبل القدرة .

المتواجدون حاليا

547 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

مقالات القرّاء

العصبة الياطرية

بقلم : الشيخ علي كوراني العاملي

يعرف الانسان العصبة الشخصية ، والعصبة لابويه واسرته ، والعصبة لعائلته وعشيرته، لكن ارفعها واحبها الي : العصبة لقريتي وبلدي ومنشئي ومدرجي، احب ياطر بكلها ، بتلاوينها ، بكل عوائلها ، بكل روابيها واوديتها، بازقتها وساحاتها ، بشيبها وشبابها ، برجالها ونسائها، بلهجتها العاملية الأصيلة ، وصباحها المتنفس بعطر الحياة ، ومسائها الهادي بسكون الإيمان، تقول لي: العصبة والتعصب مذموم ، فاقول: كلا، نعم بعض العصبة كفر ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

من تعصب او تعصب له فقد خلع ربقة الايمان من عنقه، لكن بعضها إيمان وهدى ، فقد قال الامام زين العابدين عليه السلام:
العصبية التي يأثم عليها صاحبها ان يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار غيرهم، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ، ولكن من العصبية أن يعينهم على الظلم .

وقال النبي صلى الله عليه وآله: حب الوطن من الايمان.
فإن كنت متعصباً لشيء مما يحيط بك ، فتعصب لبلدك ومنبتك ومدرجك، ومسكنك ومأواك ، وممرك ومقرك، لبلدة تفتَّح فيها وجودك ، وتنفست رئتاك أول ما تنفست هواءها العذب العليل.

 

معـــــنى العصبـــــــة للقـــــــــرية
1. أتعصـــب لقريتــــــــي :
يعني أعتز بالإنتماء اليها ، فهو قدري الذي اختاره لي رب العالمين ، وما اختاره لي بعلمه وحكمته ورحمته هو الأفضل لي .

فلو خيروني قبل خلقي وسألوني: في أي مكان تريد أن تُخلق ، وأبن من تحب أن تكون ؟ لأجبتهم أريد أن أخلق في ياطر نفسها ، وابن أبي وأمي نفسيهما .


والسبب في ذلك: أني أقف أما كمٍّ هائل من الخيارات والإحتمالات ، لا أعرف الصالح منها لوجودي ومساري ومستقبلي ، فأوكل الأمر الى من يعرف ذلك ليختار لي بمعرفته وحكمته ، وقد فعل سبحانه ، فأشكره من كل قلبي .

وهذا معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام : لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه !

فالأقدار التي يصنعها لي ربي هي الأفضل والأحسن والأجمل ، وتبقى عليَّ الأقدار التي أصنعها أنا .

2. وأتعصــــب لقريتــــــــي:
وأشعر بأنها شخصية لها كيانها وتاريخها ومستقبلها .

فبعض القرى لا شخصية لها ، ولا غيرة لأبنائها عليها . تراها مهانة ، يدوسها القريب والغريب ، كأنما هي أرض سائبة ، أو بيت بلا أبواب ، أو كرم بلا حيطان . يتصرف فيها الأولاد والرقعاء ، ويذلونها فلا يدفع أحد عنها !

وبعض القرى دار عز وكرامة ، أعزها أهلها ولم يرخصوها..
ومَهْدُ أبرارٍ ، عرف أبناؤها قدر ترابها والحصى ..
وبَلَدُ أشاوس ، منعوا عرينها أن يهان ، ودفعوا عنها الطامع والعابث ، وحموا شرفها أن يبتذل .

تشعر بأنها وجود حي وكيان ، فهي ترضى وتغضب ، يناسبها أمر أو لايناسبها ، وعلى أبنائها أن يتصرفوا بأدب معها ، ويحفظوا فيها الجغرافية والتاريخ والقيم ، ليُرضوا أرضها وسماءها ، وأرواح والآباء والأمهات التي حلت بفنائها .

بلدٌ لا تنسى شخصياتها وأمجادها ، فهي من قديم تتمسك بقيم ، يحترم أهلها الغريب ويُكْرمونه ، ويحتفون بالعالم ويصغون اليه ، ويلتفون حول الزعيم ويهتفون له .

ويتكافلون بينهم فيتحابون ويتزاورون ويسمرون ، ويتقاسمون مال الجيب ولقمة العيش .
وإذا سمعوا أن ابن ياطر في مشكلة ، هبوا لغوثه ونجدته ومواساته .
أما إذا اعتدى عليه أحد ، فالكل يستنفرون لنصرته ومنع الظلم عنه .

3. وأتعصـــــب لقريتــــــــي :
لأن التعصب لها تعصب لذاتي ، وحب الذات أقوى الغرائز ، وذاتي تتسع لأسرتي وأرحامي وعشيرتي ثم تتسع فتشمل كل عوائل بلدي وأفرادها ، وشؤونها . وبقدر ماتتسع دائرة المحبة تأخذ الذات قداستها ، وقد جعل الله لذاتي قداسة ، وجعل لذاتي الأوسع قداسة أكبر وأعمق .

لهذا أتعصب لنفسي في حدود ، وأدفع عنها الأذى وأخدمها ، لكن أتعصب لمصلحة بلدي أكثر لأنها مصلحة ذاتي الأكبر .

فكن يا ابن بلدي ما شئت ، وتعصب لما شئت ، فذلك شأنك وخيارك ، لكن إحفظ معي
العصبة الأقوى والأعلى ، وتعصب لمصلحة بلدنا ، فهي ذاتي وذاتك الأكبر .

سلام عليك يا ياطر فقد أثبت أبناؤك أنك بلدهم الغالي وأمهم الحنون ، وقد رأيناهم تعصبوا لزعمائهم وأحزابهم ، وتناقشوا واختلفوا وتنافروا ، لكن لما جاءت مصلحة ياطر ، برزت فيهم العصبة المقدسة لها ، فقدموا مصلحتها على مصالحهم ، والعصبة لها على العصبة لزعاماتهم .

وهكذا فلتكن الأخوة ، والإنتماء للقرية ، والمواطنة .

 

مختارات