top1-1

حكم وأمثال

القائمة الرئيسية

المتواجدون حاليا

73 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

مقالات القرّاء

مدرسة الحب والبغض

بقلم سماحة الشيخ علي كوراني العاملي

خالتي الحاجة تفاحة

    كان عمري ثلاث سنين عندما وُلد أخي الشيخ عباس ، في سنة1366هـ. 1947م. وأذكر أنه حدثت في بيتنا حركة ، فقد جاءت داية القرية الحاجة صالحة رحمها الله وعدة نساء ، وخالتي الحاجة تفاحة رحمها الله ، وهي أخت جدتي لوالدي .

  أذكر أن والدي انشغل قليلاً في الغرفة الكبيرة ، ثم تركهم وذهب .

 وأمرونا نحن الأطفال أن لا ندخل الى الغرفة .

 

 كان الوقت صيفاً ، وكانت خالتي الحاجة تفاحة تعمل بهدوء ومثابرة  ، أما جدتي الحاجة نرجس رحمها الله ، فكانت تتحرك وتدير الأمور كعادتها .

 وقبل الظهر سمعنا صوتهن وصلواتهن ، وأنها ولدت صبياً والحمد لله ، وفرح الذين حولنا ، وفرحنا بأنه ولد لنا أخ جديد .

 ثم رأيتهم جاؤوا بدجاج مذبوح وأعطوه الى خالتي تفاحة ، وكان ذلك اليوم آخرعهدي بالدجاج ، فقد أعطتني مع أختيَّ كاسة فيها ماء دجاج وقالت إشرب ، فشممت رائحة زفرة ، ثم شربت شيئاً من مائه فصدمت! ثم لم آكل الدجاج الى الآن إلا أن أكون مجبراً ، فعندما أرى الدجاج أذكر ذلك الطعم الذي صدمني!

  وقد فرحت عندما رأيت الحديث الشريف: الدجاج خنزير الطيور ، وكأن ذلك انتقامٌ لي من الدجاج ، مع أنه نعمة من الله تعالى ، ومشوياته من أفضل المشويات ، لكن الأمور النفسية لا تخضع للمنطق . وقد يكون معنى: الدجاج خنزيز الطيور ، أنه كالخنزيز قد يأكل القاذورات  فامنعوه منها ، أما اليوم فصارت تغذية الدجاج مبرمجة ، وصار دجاجاً نصفه صناعي !

 

وكما كرهت في ذلك اليوم الدجاج أحببت خبز الصاج ، فعندما رأتني خالتي الحاجة تفاحة لم آكل قالت لي: تعال أعمل لك بَعْقَة ، وخبزت لي بَقْعة تغدَّيت بها ، وهي رغيفان مدمجان، يضعون عليهما زيتاً أو زعتراً أو سمسماً. ويقولها الناس بَقْعَة بتقديم العين، وهي في اللغة كما يقول الخليل قطعة الأرض التي تختلف عما حولها ، وجمعها بقاع، وسميت بها بَقْعة الخبز، لأنها تختلف عن بقية الخبز .

 وأذكر من أحداث ذلك اليوم أنهم أخذونا أنا وأختيَّ وكانتا في الخامسة والسابعة ، وأخي قاسم في التاسعة ، الى كَرْم الدَّوَاوير القريب ، وعملوا لنا أرجوحة في شجرة تين كبيرة ، ثم عادوا بنا في أول الليل الى البيت .

 

$الطفل يدرك ويختزن مادة المعرفة

 قد يذكر ابن ثلاث سنين أموراً ، أو يختزن صوراً فيهفمها ويحللها بعد أن يكبر . فقد حفظت الفرق بين خالتي الحاجة تفاحة ، وأختها جدتي نرجس رحمهما الله  فجدتي مديرة تأمر وتنهى الجميع ، حتى أبي وعمي الحاج محمود الوجيه الكبير ، وكانت والدتي تهابها لهيبة أبي لها.

 سمعتها ذات يوم تقول لوالدي:يا محمد إذهب وادع لي أخاك محموداً وحيدر  فكانت تجمعهم لتطلب منهم أمراً يتعلق بالبلد ، أو بخلاف بين شخصين ، أو بين عائلة كَوراني وعائلة أخرى ، أو لتعتب عليهم ، أو لتعطيهم توجيهاً !

 كان هذا دأبها لمدة أربعين سنة ، من وفاة زوجها الى وفاتها رحمهما الله .

وعندما توفي زوجها كان والده جد أبي حياً ، وهو الحاج محمد كوراني ، وكان وجيهاً في القرية ، لكني سمعت من والدي أنه كان يحترمها ولا يرد لها رأياً ، وأنها هي التي أدارت أملاكه ، وكان يعمل عندهم في الصيف عشرون عاملاً.

كانت رحمها الله قوية البنية ، حديدة النظر ، ترى من قريتنا مدينة صور وهي على مسافة22كيلو متراً ، وقريتنا على ارتفاع750 متراً عن سطح البحر ، فتقول: أنظروا لقد بدؤوا يبنون بناية على الرمل ، فلا نرى شيئاً ، ثم نذهب الى صور ، فنرى الأمر كما وصفت !

 أما خالتي تفاحة ، وهي والدة المرحوم الحاج حسن سليم ، فكانت من النوع الهادئ ، العطوف مع كل الناس ، الحنون عليهم ، الخدوم لهم . 

من النوع الذي لايهمه ما يقول الناس في بعضهم ، ولا ما يقولون فيه ، ولا ما يختلفون عليه . يهمه فقط أن يقوم بعمله ، ويخدم الناس قدر استطاعته !

 إنها تحبُّ بطبيعتها ، ولا تعرف البغض، ولو كلفت بأن تبغض لما استطاعت ! 

لا تسمع منها إلا: يا روحي، ياعيني ، يا تقبرني ، إسم الله عليك ، الله يوفقك.. فهذا قاموسها ، وهذه روحيتها وعالمها الذي لا تعرف غيره .

عرفت بعد ذلك أنه توجد عدة نساء في قريتنا من نوع خالتي الحاجة تفاحة . منهن: زوجة الحاج نمر سويدان ، وزوجة الحاج أبي علي عبد الحسين سويدان ، وزوجة الحاج علي خليل كريم ، والداية الحاجة صالحة زوجة حسين كوراني ، و الحاجة سكيبة زوجة الحاج ابراهيم موسى عيسى كوراني ، التي عاشت أكثر من مئة سنة ، وتوفيت قبل ثلاث سنوات . رحمهم الله جميعاً .

  زرت الحاجة سكيبة قبل بضع سنوات، وسألتني عن بعض الأحكام والأذكار، وسألتها عن برنامجها اليومي فقالت إنها تصلي وتسبح الله تعالى وتذكره أكثر أوقاتها ، وتنام قليلاً ، وأن طعامها عادي ، ولا تشكو من مرض ، إلا أن يصعب عليها الرواح والمجئ . فقدرت أنها تعبد الله تعالى عشرين ساعة في يومها وليلتها . وهذا رقم قياسي لمثلها .

سألتها عن منامها الذي رأت فيه جبرئيل×فقالت: كنت ماشية بين الحارتين، فرأيت جبرئيل وإسرافيل’فسلمت عليهما ، فأعطاني جبرئيل×كفناً ففرحت به . ومشيت خطوات فجاءت الحاجة فلانة وسألتني ما هذا ؟ فأخبرتها، قالت: أعطني إياه أنت يأتون لك بغيره ، فلم أقبل ، فقال لي جبرئيل وقد ابتعد عنا: أعطها ، أجيب لك غيره إن شاء الله ، فأعطيتها إياه .

 وسألتها: والآن بعد ثلاث سنوات ، ألم يأتك جبرئيل×بكفن ؟ قالت: لا ، لم أره في المنام الى الآن . ثم لم أعرف هل رأته بعد ذلك ؟

 أما شيخة هذه النوعيات الطاهرة ورئيستهن جميعاً ، فهي المرحومة خاتون الورد ، التي كان آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين+في قريتنا ، فرأى في منامه بيت له في الجنة ، ورأى بيتاً أحسن منه أعجبه ، فسأل: لمن هذا البيت؟ فقالوا له: هو لخاتون الورد ! فسأل يومها: هل عندكم في ياطر إمرأة إسمها خاتون الورد ؟ قالوا نعم سيدنا ، إنها امرأة تعيش في بيت صغير ، معروفة بأنها ترش الحبوب للعصافير في بيتها ، وفي الصيف الحار تأخذ الماء وتضعه في تجاويف الصخور في البراري ، لتشرب منه الطيور والحيوانات !

 يقول أحدهم: رأيتها تحمل كوز ماء تحت منديلها حتى لا يسخروا منها ، وهي ذاهبة في الحر الى البر ، فقلت لها: يا خالتي إن هذا الماء الذي تتعبين به وتضعينه في الأجْرَانِ ، تشرب منه الحيَّات ! فقالت: إنها ذات روحٍ يا ابني !

وقالوا عنها إنها عندما يشتد الشتاء أو ينزل ثلج ، تحمل ما تجده من خبز وطعام وتذهب الى رأس تلة صخرية مشرفة على الوادي ، فيأتيها الواوية أي الثعالب فتوزعها عليهم ، وقد تضع لهم الطعام على الأرض فيأكلون أمامها ، ويطمع أحد الثعالب بسهم غيره  ، فتقول له: أنت أكلت سهمك ، رُحْ ، فيذهب!

 فقال السيد شرف الدين+: خذوني الى بيتها ، وذهب وزارها ، وسألها عن حالها ، وبشرها بمنامه ، وطلب منها الدعاء ، وقال أحدهم إنها لف يدها بعباءته وقبلها !

وسألت عن أولادها ، فقالوا عندها بنت واحدة ، متزوجة في غير قريتنا .

 

$مدرسة بغض الناس مقابل مدرس حبهم

 على النقيض من خاتون الورد وأخواتها ، يوجد نساء ورجال لايستطيعون أن يحبوا أحداً أبداً ! أما البغض فيطفحون به طفحاً، ويبغضون  أقرب الناس اليهم ، وربما أبغض أحدهم نفسه !

  قال أحدهم إنه يجلس مع أصدقائه ويبدؤون بتقصيب الناس ، أي غيبتهم ، وأحياناً تنتهي قائمتهم ، فيقول أحدهم: انتهينا من القواويد كلهم ، بقي نحن  فلنبدأ بهذا القواد ! ويبدؤون بتقصيب بعضهم واحداً واحداً !

 إنها القدرة على الكره والبغض ، والعجز عن الحب وحسن الظن !

 وقد تعجبتُ عندما رأيت بعض الناس يحب شخصاً محترماً لأنه ليس من النوع الذي يحب أحداً ، ثم رأيته بعدها قد تعب من حبه له ، وأعلن بغضه وشتمه !

 هذا الشخص الأصل عنده البغض ، والحب عنده محدود موقت ،  لدوافع وأغراض ، وسرعان ما تنتهي مادته ، ويتعب صاحبه منه ! ويتوب ! 

 وقد رأيت نموجاً من تربيتهم فذهلتُ ، طفلةً نظرتْ الى القمر وقالت له: إمشِ وْلك ، أنظر كيف ينظر الينا بجنب عينه ابن الكلب! يا الله إمشِ،تخيَّبْ !

 لعل هذا أسوأ نموذج لتلاميذ هؤلاء ! فما ذنب القمر ! ومن الذي أفقد هذه الطفلة الحب الطبيعي للقمر، وعلمها هذا البغض الى حد العدوانية؟!

 لا بد أن أمها مريضة بالبغض والكره ! آمنت أن الأم هي الحضارة ، وهي الدين ، وهي الإنسانية ، وهي الحب والبغض .

 

~   ~

 

  هل يمكننا  أن نكون من أبناء مدرسة بغض القمر ، وسبه وشتمه ، ولعن أبيه؟  يمكن ذلك ، إذا أطلقنا لشيطان هوانا أن يسيطر علينا ، وأطعناه واندفعنا معه ، عندها سنرى الجميل قبيحاً والقبيح جميلاً ، ونرى المعروف منكراً ، ونرى ولي الله عدواً . أليس علي وفاطمة والحسن والحسين^أجمل من القمر ، وهل رأيت النواصب كيف يبغضونهم !

 

$مدرسة خاتون الورد ومدرسة شرف الدين 

 

   قال صاحبي: هل يمكنك أن تكون من مدرسة خاتون الورد وأخواتها ؟

   قلت له: نعم يمكنني ، لكني لا أؤمن بهذا المنهج ،لأنه منهج السذج البسطاء الذين يرون الجميل في الناس والحياة ، ولا يرون النصف الآخر .

 يمكنني أن أغمض عيني عن مساوئ الناس ، وعن أعداء الله وأعداء عباده ،  أن أعيش بالولاية وأنسى البراءة ، لكني لا أريد ذلك ، ولا يجوز لي .

 أرأيت لو كانت خاتون الورد رحمها الله في محيط الوهابية أو الخوارج ؟ ألاتحبهم وتخدمهم ، كما كانت تحب المؤمنين وتخدمهم !

 قال صاحبي: إن من الثوابت عندها أنها تسأل العلماء عمن تواليه وتعاديه ، ومن تحبه أو تبغضه ، وكفى باعتقادها بالرجوع الى العلماء ضماناً ، وهذا معنى أن العلماء حصون الإسلام ، فهم يحفظون المسلمين في حصنه .

  ثم من قال لك: ليس عندها براءة ، إن غلبة عنصر المحبة لايعني أنها تحب حتى إبليس والمجرمين ، فبغضهم في عقيدتها وقلبها ، لكنها مشغولة عنه بمحبة الناس وخدمتهم . ويدل على ذلك أن الله تعالى جعلها من أهل الجنة .

 قلت له: أقبل منك أن عندها ولاية وبراءة ، لكن براءتها مجملة ساكنة ، وأقبل منك أنها ترجع الى علماء مذهبها الذي آمنت به ، وهذا الذي أنجاها .

 قال: فأنت تؤمن بصحة منام السيد ، وأنها من أهل الجنة ، وأنها أفضل منه ؟

 قلت: نعم أؤمن بصحة منامه+وأنها من أهل الجنة إن شاء الله ، لكنها ليست أفضل منها قطعاً ،  إن منامه+كرامةٌ له ، قبل أن يكون كرامة لها .

 قال: وبيتها في الجنة الأفضل من بيته ، ألا يدل على أنها أفضل عند الله منه؟

قلت: كلا ثم كلا ، فالذي أعتقده أن السيد شرف الدين رأى دارةً من مُلكه في الجنة ، دارةً واحدة مما يملك: (فيلا) ، ورأى أخرى أحسن منها لهذه المؤمنة .

 ومن المؤكد أنه يملك دوراً وقصوراً مميزة ، وأن خاتون الورد لو أرادت أن تزوره في الجنة ، لكان عليها أن تطلب موعداً من شخصية كبيرة .

 قلت له: هل تريدنا أن نمتهن عقولنا ونرد الآيات وأحاديث النبي وآلهفي ثواب العالم الذي يدافع بعلمه عن الدين ، ويرد كيد النواصب عن المؤمنين ؟

  مثلاً الحديث الذي رواه الشهيد الثاني في منية المريد/115، عن الصديقة الزهراء÷ قالت: (سمعت أبي رسول الله‘يقول:من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا ، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نورالعلم الذي حبوناه به ، جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور يضئ لأهل تلك العرصات ، وحلة لا يقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها.. إن علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور . ثم ينادي منادي ربنا عز وجل: أيها الكافلون لأيتام آل محمد ،الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم ، هؤلاء تلامذتكم والأيتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم ، فاخلعوا عليهم كما خلعتموهم خلع العلوم في الدنيا . فيخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم ).

 

 فأين هذا من عمل خاتون الورد وبيتها في الجنة ؟ فلئن كانت وليةً من أولياء الله تعالى فالسيد شرف الدين وأمثاله من سادات الأولياء ، بدون شك ، وسيكون شرفٌ لها أن يقبلها السيد من أتباعه وجماعته !

 قلت له: وكيف يجوز لنا أن نسترخص البراءة وأن ننقصها قدرها العظيم ، وقد قال الإمام الصادق×(الكافي:2/126): (قال رسول الله‘لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم ، وقال بعضهم:الصلاة وقال بعضهم: الزكاة ، وقال بعضهم: الصيام ، وقال بعضهم: الحج والعمرة ، وقال بعضهم : الجهاد ، فقال رسول الله‘: لكل ما قلتم فضل وليس به ، ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وتوالي أولياء الله والتبري من أعداء الله).

 فهل يجوز أن نعطي للمحبة لله تعالى وأوليائه والخير ، قيمةً مطلقة ، ولا نعطي مثلها لما يقابلها من بغض أعداء الله والشر ؟ نعم إن منهج خاتون الورد وأخواتها قيمةٌ إسلامية مهمة ، ولكن بشرط وجود البراءة في مقابله .

قال صاحبي: هل نقول إن هذا المنهج لا براءة فيه ؟

قلت له: بلى فيه براءة دون شك ، وإلا لم يكن أصحابه مرضيين عند الله تعالى . لكن حاملي راية الولاية والبراءة ، ورافعي مشعلها ليضئ للناس ، هم أعلام الطريق للمؤمنين ، لخاتون الورد ، وآلاف أمثالها .

قال صاحبي: وهل نعتبر من نقص بغضه كمن نقص حبه؟

  قلت له: بلا شك ، أما قرأت قول الإمام زين العبدين×: (وحبب إليَّ من أحببت ، وبَغِّضْ إليَّ من أبغضت). (الصحيفة/263).

  وقول أمير المؤمنين×(نهج البلاغة:2/60): (فتأسَّ بنبيك الأطيب الأطهر‘فإن فيه أسوة لمن تأسى، وعزاء لمن تعزى وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتص لأثره.. قضم الدنيا قضماً، ولم يعرها طرفاً. أهضم أهل الدنيا كشحاً ، وأخمصهم من الدنيا بطناً ، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها ، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه ، وحقر شيئاً فحقره ، وصغر شيئاً فصغره .

 ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله ورسوله ، وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله ، لكفى به شقاقاً لله ، ومحادةً عن أمر الله ) .

 قال صاحبي: أليس في ذلك تنقيص لمقام أولياء الله من أمثال خاتون الورد ؟

قلت له: بل الغلو فيهم تنقيص لمقام عظماء أولياء الله ، من العلماء الذين عظمهم النبي‘والأئمة^وجعلوهم القادة والقدوة بعدهم .

 كم ساءني أن أرى بعض المسؤولين يدعون الى المسلك العرفاني فيغالون في تعظيم أمثال خاتون الورد ورجب الخياط، وينشرون مكذوبات الناس فيهم!

 لقد كتب عن رجب الخياط أنه لما وضع في لحده ، سمع أحدهم ملك الموت يقول لصاحبه: أتركه لا تحاسبه ، فهو من أهل الجنة بغير حساب !

 إن هذا المسؤول لم ينقل هذه (الكرامة) لأحد من كبار الفقهاء وكافلي أيتام آل محمد ، حتى للإمام الخميني الذي يقدسه+، فجعل رجب الخياط خيراً منه!

~   ~

 

 

 

 

 

 

$أذكر سقوط فلسطين وإقامة دولة إسرائيل !

 

في سنة 1948، كان عمري نحو أربع سنوات ، وأذكر أن المرحوم والدي وجماعة من قريتنا انشغلوا يإسكان الفلسطينيين الهاربين من فلسطين .

  أذكر أنه&قال لأحدهم نفتح لهم بيت عقيل عز الدين، وكان قريباً من بيتنا،  ووارثه ابنه علي مهاجراً الى الأرجنتين، وكان يحترم الوالد ويسمع كلامه ، فأسكنوا فيه ثلاث عوائل .

وبقربه بيت الحاجة ضوية الساكنة في بيروت ، أسكنوا فيه عائلة طالب الصالحاني ، ووزعوا الآخرين في أنحاء  القرية ولعلهم كانوا ثلاثين عائلة ، ونصبوا لبعضهم خيماً ، وجمعوا لهم مواد غذائية ، وطحيناً ، وبعض اللوازم الأولية .

 وقد رأيت وضعهم رثاً يثير الغيرة ، كان بعضهم يحمل بعض وسائله ولحافاً على حمار ، وتركب عليه امرأة وطفل ، ويمشي خلفه الأب وبعض الأطفال !

وقد سمعت القصص عن الفلسطينيين الذين سكنوا في قريتنا ، وألفتني منها إسم بيت أبو الوحش ، وقصص عن طالب الصلحاني بتعبيرنا ، والصالحان قرية في لبنان على حدود فلسطين ، يظهر أنها كانت مقراً للمتعبدين ، فقد كان النصارى ثم المسلمون يترهبون وينقطعون للعبادة في الجبال ، فيظهر أن إسم الصالحان جمع صالح بالتركية أو الفارسية ، ومعناه الصلحاء الذين انقطعوا الى العبادة . كما يوجد قرب قرية الحولة: تلة العُبَّاد .

 وكان طالب الصالحاني له رحم معنا ، وقد انتقل من الصالحان الى داخل فلسطين فسكن في البصَّة ، ثم تهجَّر وجاء الى ياطر .

 وأذكر أن شخصاً سأل المرحوم الوالد عنه هل هو شيعي أم ترك تشيعه وتسنن؟ فقال له: سمعته في إقامة الصلاة يقول: أشهد أن علياً ولي الله .

 وسمعت جدتي تقول: جاء أولاد الفلسطينيين ليستعيروا منا بعض الوسائل ، فسألتهم عن أسمائهم فقال أحدهم: إسمي خالد ، تقول جدتي: فقلت له: إسمك حلو يا إبني ، ثم لما ذهبوا انتبهت الى أنه إسم خالد بن الوليد ، الذي نذكره مع الشمر ويزيد !

وكان الفلسطينيون يألفون المرحوم الوالد ويطلبون منه المساعدة في بعض الأمور،وكنا نتعجب من أنهم ينادونه:يا حاج أبو داهود ، فينطقون الواو هاء .

كان الفلسطينيون الذين سكنوا في قريتنا من النوع العادي ، وكان أبرزهم طالب الصالحاني ، والحاج محمود الجشي ، وكان صاحب قطيع ماعز ، وهو شخص محترم ، قال والدي: إن من أخلاقه أنه إذا أكلت عنزة له من زرع أحد  حلب حليبها على الأرض ولم يخلطه بحليب ماعزه . وكان خبيراً بتجبير الكسور  ، ويقوم بذلك حسبة لله تعالى ، ولا يأخذ أجرة !

~   ~

 توزع الفلسطينيون الذين نزلوا في قريتنا ، وسكن بعضهم في مخيم الرشيدية في صور ، وبعضهم في بيروت . وبقي لبعضهم علاقات في البلد .وكانوا يذكرون ياطر بعرفان الجميل . وكان أهل البلد ينقلون عنهم الكثير من القصص ، وأكثرها قصص بطش اليهود ، وخيانة الدول العربية ، وقصة جيش الإنقاذ الذي أرسله العرب لإيقاف عدوان اليهود ، وكيف أعطوه ذخيرة فاسدة ، وأن فرقة من الجيش العراقي وصلت الى قرب جنين ، وكانت على مشارف النصـر، ومن ضباطها الأبطال عبد الكريم قاسم وناظم الطبقجلي ، فأتاهم  الأمر المشدد ، فاضطروا للإنسحاب !

 وكان أهل قريتنا يروون قصص تعصب الفلسطينيين ضدنا ، وهم يسموننا المتاولة تبعاً للمماليك الشركس وابن تيمية ، ويقولون إنا كفار !

 وقد نقلوا عن فلسطيني  أنه قال: آخر عمرنا نهاجر الى بلاد المتاولة ! ولما رأوا منارة في قرية جنوبية قالوا الحمد لله هذه القرية مسلمون ، وليسوا متاولة !

 

$أذكر انتخابات البرلمان وغلو الناس في أحمد الأسعد

 

  لعل هذه الإنتخابات كانت في سنة 1948، وأذكر منها أن الصراع كان حاداً بين عائلة كوراني المؤيدة لكاظم بك الخليل ، وعائلة سويدان المؤيدة لأحمد بك الأسعد  وأذكر أن يوسف مصطفى سويدان ، جاء الى بيتنا ، وقال لوالدي هل سمعت رَوِيدهم للبيك في خلة الخوخ ؟ أي نشيدهم في مفرق ياطر.

قال له: ماذا قالوا؟قال: قالوا: طير البيطير بنذبحوا ، وقلب العدو منجرحوا ، ومنشيل الله من السما ، وبنحط أحمد مطرحوا !  ثم قال:هذا كفر، فقال فلان قولوا:بنهدّ ركن من السما وبنحط أحمد مطرحوا! فصلح لهم الرويد ! فأظهر والدي انزعاجه ، ولم يعلق بشئ . وأقدر أن سبب ذلك أنه وجيه عائلة كوراني ، ولا يريد أن يظهر انتقاد عائلة سويدان ، فقد كان يحفظ التوازن ، وساعده على ذلك أنه صهر آل سويدان فوالدتي منهم ، وقد ساعدتني هذه الخؤولة أيضاً . وكان المرحوم الوالد على منهج السيد شرف الدين+لايؤمن بزعامة الأسعد ولا الخليل ، ولا يعتقد بالإنتخابات ، وكان يحضرحتى لايقال إنه يقاطعها ، وينتخب بورقة بيضاء ، ولا يعرف بذلك إلا خاصته .

مختارات

بين التمديد والتجديد
رؤساء الجمهورية الذين تم التمديد او التجديد لولاياتهم الرئاسية هم :
شارل دباس : جددت ولايته سنة 1926 لمدة 3 سنوات .
حبيب باشا السعد : تم تعيينه لولايتين ,سنة واحدة كل ولاية . وكان ذلك في عاميْ 1934و1935 .
بشارة الخوري : جُدّد له سنة 1948 لولاية واحدة , بدأت عام 1949 .
الياس الهراوي : مُدّد له 3 سنوات ابتداءً من العام 1995 .
اميل لحود : مُدّد له 3 سنوات ابتداءً من العام 2004 .
مأكول الهنا
كباب حلبي – باذنجان متبل ــ تبولة ــ مفروكة بالقشطة – كيوي .